مكاتب فارغة، مدن مكتظة – الإمكانات المهدورة في ألمانيا

تخيّلوا أنكم تبنون مدينة جديدة لمئة ألف نسمة — ثم تتركونها فارغة ببساطة. هذا بالضبط ما يحدث الآن في ألمانيا. فأكثر من 8.4 مليون متر مربع من المساحات المكتبية شاغرة في أكبر سبع مدن ألمانية (JLL، الربع الثاني من 2025)، بينما يقدّر معهد بيستل النقص في الوحدات السكنية على مستوى البلاد بـ 1.4 مليون وحدة. أزمتان تجريان على المخطط الحضري نفسه — ومع ذلك نادراً ما يُنظر إليهما مجتمعتين. ونحن نرى أن هذا خطأ.

هذا الشغور ليس ظاهرة مؤقتة. ففي الربع الثاني من 2025، بلغ معدل شواغر المكاتب في أكبر سبع مدن 7.7 بالمئة، وهو أعلى مستوى منذ أكثر من عقد — إذ تبلغ النسبة في فرانكفورت 11.2 بالمئة، وفي دوسلدورف 12.3 بالمئة (تقرير JLL لسوق المكاتب، الربع الثاني من 2025). والسبب بنيوي: فالشركات تنتقل إلى مبانٍ حديثة متوافقة مع معايير الاستدامة (ESG)، بينما تبقى المساحات القديمة شاغرة بشكل متزايد. وهذا ليس فائضاً في العرض، بل عدم توافق بين ما هو موجود وما هو مطلوب. يُضاف إلى ذلك التحول الدائم في عالم العمل: إذ استقرت نسبة العاملين من المنزل عند نحو الربع منذ سنوات، وتتوقع الدراسات أن ينخفض الطلب على المساحات المكتبية بنحو 12 بالمئة بحلول 2030 (معهد ifo / Colliers، 2023). وهذا ليس تراجعاً عابراً، بل تحوّل بنيوي لن يرتد إلى الوراء.

وفي الجهة الأخرى من المدينة، يتفاقم الوضع. ففي العام الماضي، لم يُستكمل سوى نحو 220 ألف وحدة سكنية — مقابل حاجة سنوية مفترضة تبلغ ضعف هذا الرقم تقريباً (Destatis، 2024). كما ارتفع متوسط إيجارات إعادة التأجير في المدن الكبرى المستقلة إدارياً بنحو 70 بالمئة بين عامي 2010 و2022. والفجوة تتسع — وتتسع تحديداً حيث يبلغ شغور المكاتب أعلى مستوياته: في مواقع وسط المدينة.

فهل يمكن ببساطة تحويل مبنى مكتبي إلى مسكن؟ بصفتنا معماريين، نريد أن نكون صريحين هنا: أحياناً نعم، وغالباً لا — وهو دائماً تقريباً أكثر تعقيداً مما يبدو. إذ يُعتبر نحو 30 بالمئة من المخزون المكتبي الشاغر قابلاً للتحويل من الناحيتين التقنية والتنظيمية (معهد ifo / Colliers، 2023). قد يبدو هذا رقماً متواضعاً، لكنه كبير بالنظر إلى الحجم الحالي: فمع احتساب الفاقد من المساحة نتيجة التحويل ومتوسط حجم الوحدة السكنية، يمكن أن ينتج عن ذلك نحو 60 ألف وحدة سكنية لنحو 102 ألف شخص. ويكمن التحدي في المخطط: فمباني المكاتب عميقة، وغالباً ما يتراوح عمقها بين 15 و20 متراً. والمساكن تحتاج إلى ضوء طبيعي. وما يقع في المنتصف لا يحصل على أي ضوء. وهناك حلول ممكنة — كأفنية داخلية مقتطعة، وشرائط سكنية ضيقة على طول الواجهة، واستخدامات هجينة موزعة على عدة طوابق — لكنها تتطلب تفكيراً معمارياً، لا مجرد إعادة تصنيف إداري. يُضاف إلى ذلك متطلبات العزل الصوتي والتهوية ومسارات الإخلاء، التي تختلف بين المكاتب والمساكن. وهذا أمر قابل للحل. لكنه يكلّف — وقتاً وتخطيطاً واستعداداً للاستثمار.

وإلى جانب إمكانات الإسكان، هناك حجة نادراً ما تُسمع في النقاش العام: حجة الطاقة الكامنة. فكل مبنى يُهدم تضيع معه كامل الطاقة وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون التي استُهلكت في بنائه — من خرسانة وصلب وزجاج ونقل. والمبنى الجديد يحمل هذا العبء من جديد، حتى قبل استهلاك أول كيلوواط/ساعة من طاقة التشغيل. فالحفاظ على المباني القائمة حماية للمناخ. والتحويل اقتصاد دائري. وهذه ليست مفاهيم رومانسية — بل هي فيزياء بحتة.

وفي ظل أكثر من ثمانية ملايين متر مربع من الشواغر، لا يبدو مبلغ دعم قدره 360 مليون يورو كبيراً بشكل خاص — وهو ما تقرّ به السياسة أيضاً. ويُعد برنامج «من تجاري إلى سكني» بداية، لكنه ليس معياراً بعد. وما ينقص هو إجراءات ترخيص مبسّطة، وأدوات تخطيط عمراني مرنة، واستعداد الملاك لقبول عوائد أقل على المدى القصير مقابل استقرار أطول أمداً للموقع. وكمعماريين، يمكننا تطوير الحلول — لكن لا يمكننا أن نحل محل الحوافز التي لا يوفرها السوق وحده.

فالمكاتب الفارغة والمساكن الناقصة ليستا مشكلتين منفصلتين. بل هما وجهان لخلل تنموي حضري واحد. والإجابة لا تكمن في منطقة البناء الجديدة التالية على أطراف المدينة — بل في المباني الموجودة أصلاً: في أفضل المواقع، وبالبنية التحتية المتوفرة، وعلى أرض معبّدة أصلاً. وهذا ليس حلاً سحرياً. لكنه لبنة ضرورية وعاجلة.

المصادر: تقرير JLL لسوق المكاتب، الربع الثاني من 2025 · معهد بيستل 2024 · معهد ifo / Colliers 2023 · Destatis 2024

مشروعكم يبدأ هنا.

تواصلوا معنا واحجزوا استشارتكم الأولى المجانية.

تواصلوا معنا